ابن ميثم البحراني

361

شرح نهج البلاغة

وتعب ، ولبيان ذلك بالبرهان أصول ممهّدة في مواضعها ، وأمّا بالقرآن فلقوله تعالى « يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ » ( 1 ) وقد سبق . السادس والعشرون : ولم تغض رغباتهم فيخالفوا عن رجاء ربّهم المخالفة عن الشيء العدول عنه ، وقد سبق أنّ رغبات الملائكة السماويّة وأشواقها إلى كمالاتها دائمة ثابتة فكانت لذلك دائمة الرجاء لها من واهبها ، ولفظ الغيض مستعار كما سبق . السابع والعشرون : ولم تجفّ لطول المناجاة أسلات ألسنتهم طول مناجاتهم يعود إلى توجيه وجوههم دائما إليه ، واستعار لفظ الألسنة ورشّح بذكر الأسلات ملاحظة للتشبيه بأحدنا في مناجاته ، وكنّى بعدم جفاف ألسنتهم عن عدم فتورهم وعدم لحقوق الكلال والإعياء لهم وظاهر أنّه لا ألسنة لحمانيّة لهم فلا جفاف . الثامن والعشرون : ولا ملكتهم إلى قوله : أصواتهم أي لم تضعفهم العبادة فتنقطع أصواتهم فتضعف فتخفى بالتضرّع إليه . وهو تنزية لهم عن الأحوال البشريّة والعوارض البدنيّة من الضعف والإعياء وكلال الأعضاء عند كثرة الأشغال وقوّتها . وقد مرّ أنّ الملائكة السماويّة لا يجوز عليها شيء من تلك العوارض ، واستعار لفظ الأصوات كما استعار لفظ الألسنة . التاسع والعشرون : ولم يختلف في مقاوم الطاعة مناكبهم إلى قوله : رقابهم . استعار لفظ المقاوم من ريش الطائر وهى عشر في كلّ جناح لما سبق وجوبه من طاعة اللَّه وكان أهمّ عباداته كمعرفته في التوجّه إليه ، ولفظ المناكب وهى أربع ريشات بعد المقاوم في كلّ جناح لذواتهم ، ووجه المشابهة أنّ المناكب تالية للمقادم وعلى نظامها وترتيبها لا يخالف صفّها ونسقها كذلك الملائكة لا تختلف ذواتهم وأجرامهم في نسق ما أهمّ من عبادة ربّهم ومعرفته بل صافّون لا يخالف بعضهم بعضا في استقامة طريقهم إليه ولا يخرجون عن نظام ترتيبه لهم في التوجّه إليه كما أشار إليه في الخطبة الأولى : وصافّون لا يتزايلون ، وكذلك استعار لفظ الرقاب ولفظ الثنى : أي لم يلتفتوا إلى الراحة من تعب العبادة فيقصروا في أوامره . والمقصود نفى الأحوال البشريّة عنهم من التعب والراحة

--> ( 1 ) 21 - 20 .